الاحتِفالُ بمُرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع “نِيقيَا” المسكونيّ
- Sermon By: د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مُقدّمةٌ
مِن المعروف للجميع أنّه في هذا العام الجاري تمرّ الذّكرى الـ1700 على انعِقاد مجمع “نِيقيَا” المسكونيّ (325-2025م)، الّذي شَرَعَ في صياغة ما يُطلَق عليه “قانون الإيمان النِّيقاويّ”؛ وهو بدوره يقبل ويعترف بألوهيّة الرّبّ يسوع المسيح الكاملة والتّامّة، المتحدّة بإنْسانيّته الكاملة والتّامّة. وترمي هذه المقالةُ إلى تقديم –بإيجازٍ شديد– بضعة اعتباراتٍ تاريخيّة-خريسْتولوجيّة-ثالوثيّة، مسكونيّة، رعويّة، عمليّة، حول الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس. وبكلماتٍ أُخرى، تسعى المقالةُ إلى إلقاء الضّوء على مجمعَي “نِيقيَا” و”القسطنطينيّة” المسكونيَّيْن؛ ومِن ثَمَّ، إلى إعادة تشييد بعض المراحل أو الحلقات الّتي سبقت ولحقت مجمع نِيقيَا، وإلى عرض مضمونه الخريسْتولوجيّ-الثّالوثيّ. وعبر هذه المسيرة الموجزة، نهدف إلى إعادة اكتشاف جوهر إيماننا المسيحيّ، حتّى ندرك معًا أنّ ما يوحِّدنا نحن المسيحيّين –على تنوُّع عائلاتنا ومذاهبنا وطوائفنا– هو أكبر بكثيرٍ ممّا يفرِّقنا، أي الإيمان بالله الأحد-الواحد-الثّالوث، وبالأُقنوم الثّاني من الثّالوث القُدوس، اللّوغُس المتجسِّد، يَسُوع المسيح، ابن الله المخلِّص، وبالرُّوح القُدس الرّبّ المُحْيي. وبعرضنا للمراحل السّابقة واللّاحقة لمجمع نِيقيَا، لا ننوي تقديم أركيولوجيا تاريخيّة فحسب، وإنَّما نريد إيضاح –بشكلٍ وجيزٍ– الحيويّة الدّائمة المتعلّقة بالتّساؤل والبحث عن أجوبة بشأن المعاصرة المستمرّة لسِرّ المسيح؛ فهو سِرٌّ قد قُبِل، وحُفِظ عليه، ونُقِل، داخل إطار مجرى النّهر الكنسيّ.
وانطلاقًا ممّا قِيل للتّوّ، قد قسّمنا هذه المقالة إلى المحاور التّالية: 1) الاحتفال بمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ؛ 2) مِن العهد الجديد إلى آباء الكنيسة الأوائل؛ 3) فِكرُ أريوس وعقيدةُ مجمع نِيقيَا؛ 4) أبوليناريوس اللَّاذِقيّ وقضيّة نَفْسِ المسيح؛ 5) اعتبارات خريسْتولوجيّة-ثالوثيّة، مسكونيّة، رعويّة، عمليّة، حول الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ باللّوغُس المتجسِّد والمتأنِّس.
أوّلًا: الاحتفالُ بمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ
لا يقوم الإيمانُ المسيحيّ على مجرّد فكرةٍ أو نظريّةٍ ما، وإنّما على شخص يَسُوع النَّاصريّ، وعلى ميلاده، وحياته، وعلاقاته، وأقواله، وأعماله، ومَوْته، وقيامته. أجل، فكما أوضح البابا بِنِديكْتُس السَّادس عشر[1]، في رسالته العامّة “الله محبّة” (عام 2005م)، «هذه الكلمات الواردة في رسالة القدّيس يوحنّا الأولى [1يو 4: 16] تعبّر بكلّ وضوح عن محور الإيمان المسيحيّ: كيف تتصوّر المسيحيّةُ الله، وبالتالي كيف ترى الإنسانَ ومسيرتَه التي تنجم عن ذلك التصوّر […] لقد آمنّا بمحبّة الله: بذلك يستطيع المسيحيُّ أن يعبّر عن اختيار حياته الأساسيّ. في أصل واقع الكيان المسيحيّ لا يوجد قرارٌ أخلاقيٌّ أو فكرة عظيمة، بل اللقاءُ مع حدَث، مع شخص، يُعطي الحياةَ أفقًا جديدًا وبالتالي توجّهًا حاسمًا» (بند 1)[2]. ولذا، فقد أصاب الفيلسوفُ وعَالِم اللّاهوت “بسكال” أيضًا عندما قال: «ليس فقط لا نعرف الله إلَّا بيسوع المسيح، وإنَّما أيضًا لا نتعرّف على أنفسنا ذاتها إلَّا بيسوع المسيح. ولا نعرف الحياة ولا المَوْت إلَّا بيسوع المسيح. فخارج يسوع المسيح، لا نعرف ما هي حياتنا، ولا ما هو مَوْتنا، ولا الله، ولا أنفسنا ذاتها. وهكذا، من دون الكِتاب المقدَّس، الّذي ليس له غرضٌ سوى يسوع المسيح، لا نعرف شيئًا البتّة، ولا نرى شيئًا سوى الظّلام والالتباس في طبيعة الله وطبيعتنا»[3].
ومِن ثَمَّ، يتمتّع يَسُوعُ النّاصريّ، المسيح ابن الله المخلِّص، بمركزيّة صريحة في الإيمان المسيحيّ؛ فهو –نظريًّا وعمليًّا– محورُ كلّ ما هو مسيحيّ. فيشكّل حَدَثُ “يَسُوع المسيح” عَيْنه، مدخلًا غير مسبوقٍ إلى الله في التّاريخ؛ وقد أحدث تحوُّلًا جذريًّا في الحياة والفكر البشريَّيْن. وانطلاقًا من هذه المركزيّة الخريسْتولوجيّة، وفي إطار مبادرات كنسيّة وحَبريّة ومسكونيّة أُخرى، أعلن مثلّثُ الطّوبى البابا فرنسيس (1936-2025م) عامَ 2025 يُوبِيلًا عاديًّا (“يُوبِيل الرَّجَاء”)، الّذي يحلّ كلّ خمس وعشرين سنة بإعلانٍ من بابا الكَنيسة الكاثوليكيّة، طِبْقًا للتّقليد القديم؛ وكذلك أيضًا لمرور 1700 عامًا على انعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ، الّذي رَفَضَ التّعاليم الأريوسيّة (نسبةً للكاهن السّكندريّ “أريوس”)[4]؛ وقد أكّد هذا المجمعُ على ألوهيّة الرّبّ يسوع الكاملة والتّامّة:
«كانت مهمّة مجمع نيقيَة الحفاظ على الوَحدة، الّتي كانت مهدّدة بشكل خطير بسبب إنكار ألوهيّة يسوع المسيح ومساواته مع الآب. حَضَرَ حوالي ثلاثمائة أسقُف، اجتمعوا في القصر الإمبراطوريّ بدعوة من الإمبراطور قسطنطين في 20 أيّار/مايو 325. بعد مناقشات عديدة، اعترف الجميع، وبنعمة الرّوح القدس، بقانون الإيمان الّذي مازلنا نعترف به حتّى اليوم في الاحتفال الإفخارستيّ يوم الأحد. أراد آباء المجمع أن يبدأوا هذا القانون باستخدام عبارة “نؤمن” لأوّل مرّة، ليشهدوا على أنّ في تعبير “نحن” كلّ الكنائس كانت تجد نفسها في شركة، وكلّ المسيحيّين كانوا يعترفون بالإيمان نفسه. مجمع نيقيَة هو مرحلة مهمّة في تاريخ الكنيسة. تذكاره يدعو المسيحيّين إلى أن يتّحدوا في التّسبيح والشّكر للثّالوث الأقدس، وخاصّة ليسوع المسيح، ابن الله، “مُساوٍ للآبِ في الجَّوهَرِ”، الّذي كشف لنا سرّ المحبّة هذا. مجمع نيقيَة هو أيضًا دعوة لجميع الكنائس والجماعات الكنسيّة لكي تتقدّم في مسيرتها نحو الوَحدة المنظورة، ولا تتعب من البحث عن طرق مناسبة تتّفق اتّفاقًا تامًّا مع صلاة يسوع: “فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك، فَلْيكونوا هُم أَيضًا فينا، لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني” (يوحنّا 17: 21)»[5].
إنَّ مجمع نِيقيَا، ومعه مجمع القسطنطينيّة والمجامع المسكونيّة الأُخرى، مرحلةٌ مهمّةٌ في تاريخ الكنيسة، وفي تاريخ عِلْم اللّاهوت عامةً، وتاريخ الخريسْتولوجيا خاصةً؛ إذ إنّه قد شَرَعَ في صياغة وبلورة اعتراف الإيمان المسيحيّ المعروف بـ”الإيمان النِّيقاويّ” (نسبةً إلى “نِيقيَا”)، و“الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ” (نسبةً إلى “نِيقيَا” و”القسطنطينيّة”). فضلًا على ذلك، يُعَدّ هذا الاعتراف الإيمانيّ “بِطاقَةً شخصيّةً” لكلّ مسيحيّ ومسيحيّة، والوثيقةَ الأكثر أهمّيّة بعد الكِتاب المقدَّس على الصّعيد المسكونيّ. وهذا هو بالتّحديد ما حاولت إيضاحه “اللّجنةُ الثّيولوجيّة العالميّة” (التّابعة لدائرة “عقيدة الإيمان” الكاثوليكيّة) بإصدارها هذا العام الجاري وثيقة جديدة، بعنوان “يَسُوع المسيح، ابن الله، المخلِّص”، بمناسبة الذّكرى الـ1700 لانعِقاد مجمع نِيقيَا المسكونيّ. وجديرٌ بالذّكر أنّها الوثيقة الثّيولوجيّة الـ31 ضِمْن الوثائق الّتي صدرت عن هذه “اللّجنة” منذ تأسيسها (عام 1969م).
إضافةً إلى مقدّمةٍ وخاتمةٍ، تحتوي الوثيقة على فصول أربعة: 1) قانون إيمانٍ لأجل الخلاص (ذكصولوجيا وثيولوجيا مجمع نِيقيَا)؛ 2) قانون الإيمان النِّيقاويّ في حياة المؤمنين (“نحن نؤمن كما نعمّد؛ ونصلّي كما نؤمن”)؛ 3) نِيقيَا كحَدَثٍ ثيولوجيّ وكحَدَثٍ كنسيّ؛ 4) إبقاءُ الإيمان في متناول شعب الله برُمّته. وفي الفصل الأوّل، تعرض الوثيقةُ قراءةً ذكصولوجيّة متعلّقة بقانون الإيمان النِّيقاويّ، لتحديد الثَّراء الخلاصيّ الكامن فيه؛ وبالتّالي، الخريسْتولوجيّ والثّالوثيّ والأنثروبولوجيّ. وتسلّط الوثيقةُ الضّوءَ على أبعاد مجمع نِيقيَا، وتدفع نحو الوَحدة المَنشُودة بين المسيحيّين. ويحمل هذا الفصلُ أيضًا إلى إدراك كيف يُغذِّي مجمعُ نِيقيَا الحياةَ المسيحيّة اليوميّة، ويوجّهها. وفي الفصل الثّاني، ومن خلال التّركيز أكثر على فِكرِ آباء الكنيسة، تكشف الوثيقةُ عن كيف أصبحت الحياة اللّيتورجيّة وحياة الصّلاة في الكنيسة بفضل تأثيرِ انعِقاد مجمع نِيقيَا. وأمَّا في الفصل الثّالث، وانطلاقًا من كون مجمع نِيقيَا نُقطةً محوريّة ومرجعيّة لتاريخ المسيحيّة برُمّته، تركّز الوثيقةُ على الطّريقة الّتي يشهد بها قانونُ الإيمان النِّيقاويّ والاحتفالُ بالمجمع عن حَدَثِ يَسُوع المسيح عَيْنه، الّذي يشكِّل ظهورُه في التّاريخ مدخلًا غير مسبوقٍ إلى الله، ويُحدِث تحوُّلًا في الفِكر البشريّ. إنَّ قانونَ الإيمان النِّيقاويّ والمجمعَ هما أيضًا شهادةٌ على الطّريقة الجديدة الّتي بها تُشكَّل وتتبلور كنيسةُ المسيح، وتُحقِّق رسالتها. وأخيرًا، في الفصل الرّابع، تحلّل الوثيقةُ شروط مِصداقيّة الإيمان المُعترَف به في مجمع نِيقيَا من خلال مُقاربةٍ من جِهةِ الثِّيولوجيا الأساسيّة، لعرض طبيعة وهويّة الكنيسة كمفسِّرة أصيلة للحقيقة المعياريّة للإيمان عبر التّعليم الرّسميّ للكنيسة، الّذي هو بمثابة حارسٍ للمؤمنين، ولا سيّما الصّغار والأكثر عُرْضةً للخطر[6].
ثانيًا: مِن العهد الجديد إلى آباء الكنيسة الأوائل
إنَّ مسيرة التّعمُّق في سِرّ الرّبّ يسوع لم تنتظر كثيرًا مِن الوقت، فهي قد بدأت بالتّحديد مع العهد الجديد عَيْنه، وبداخله. فتشهد الأناجيلُ الأربعة ذاتها، الّتي كُوِّنت طيلة القرن الأوّل الميلاديّ بعد مرحلة التّقليد الشّفهيّ المتواصل والمتنوّع، على توجُّهات وميول المؤمنين القابعين في أُطرٍ ثقافيّة مختلفة (اليهوديّ-الفلسطينيّ، واليهوديّ-الهلِّينستِيّ، والوثنيّ). وعلى صعيدٍ آخر، وبطريقةٍ أكثر وضوحًا، يمكن ملاحظة اهتمام الرّسول بُولُس بالجماعات الّتي بَعَثَ إليها رسائله؛ فهذه الرّسائل، على غرار باقي كِتابات العهد الجديد، قد نبعت مِن بعض احتياجات الكنائس الخاصّة في ذلك الحين. فنرى أنَّه بينما كانت ذكرى حَدَثِ الرّبّ يسوع تنتشر، كانت هذه الذّكرى تتشكّل في الوقت عَيْنه بألوان جديدة، تَبَعًا لمسيرة التّبشير، وقبول الإنجيل مِن قِبَل الأشخاص.
أمَّا فيما يخصّ العَلاقة القائمة بين يسوع المسيح والله، فيضع العهدُ الجديد الأُسُس لما سيُطلَق عليه فيما بَعدُ العَلاقة “الازدواجيّة” (أو “الثُّنائيّة”)، أي الاعتراف بيسوع على أنَّه الله في إطار اختلافه البَنويّ. فنحن هنا أمام المسيرة الدّقيقة للغاية المتعلّقة بإدراج يسوع في الحَيِّز الإلهيّ، وهو ما حَدَثَ بفضل “التّعبُّد” المُتَزايِد والتّدريجيّ للابن مِن حيث إنَّه مشاركٌ لكينونة الله ذاتها (1كورنثوس 12: 3؛ 16: 22؛ رومية 10: 9-13). ففي نطاق الرّؤية اليهوديّة المنظَّمة والمفصَّلة، الّتي هي أمينةٌ أساسًا لمنظور التّوحيد المطلق والضّيق والحصريّ، قد أَدرَجت بشارةُ العهد الجديد الخريسْتولوجيّة، منذ بدايتها، الابنَ داخل هُويّة أو كينونة أو ماهيّة الله الواحدة، إذ إنَّه مشاركٌ لله في عمليّة الخلق والسّيادة الإلهيّة على كلّ شيء (فيلبي 2: 6-11؛ كولوسي 1: 15-20؛ يوحنا 1: 1-18؛ أفسس 5: 14؛ 1تيموثاوس 3: 16). وبهذه الطّريقة أُعِيدت صياغة وبلورة التّوحيد اليهوديّ ليصبح توحيدًا خريسْتولوجيًّا.
لقد بلغت المسيحيّةُ المتهوّدة، الّتي اتّسمت بشكلٍ قطعيّ بالخصائص الأبوكَليبتيَّة-الرُّؤيَويَّة عند قراءة مُعطيات الوَحْي، وركّزت بنوعٍ خاصّ على فكرة الارتفاع (مِن خلال الخريسْتولوجيا الإِبْيونيَّة)، إلى أقصى حدٍّ في الهَرطقة لدرجة الوصول إلى بدعة “التَّبنّي” أو “التَّبَنِّيَّة“، رافضةً ألوهيّة يسوع المسيح، معتبرةً إيّاه مجرّد إنسانٍ تلبسه القوّةُ الإلهيّة، وليس ابن الله الأزليّ.
وعلى الأرضيّة الخاصّة بالأصل السّاميّ-اليهوديّ للمسيحيّة، قد نشأت أيضًا المحاولاتُ الأُولى المتعلّقة بالفَهْم الخريسْتولوجيّ والتّعمُّق غير التّنظيميّ، لا سيّما مِن قِبل إغناطيوس الأنطاكيّ، وبوليكَاربُس الإزميريّ، ومَن يُطلَق عليهم لقب “الآباء المدافعين”، مِثل يوسْتينُس، وإيرينيؤس اللِّيونيّ. فنجد في رسائل القدّيس إغناطيوس († في عام 107م تقريبًا)، فضلًا على دفاعه المسْتَمِيت عن بشريّة يسوع الحقيقيّة ضدّ هَرطقة “الدُّوسيتيَّة” أو “الظَّاهِريَّة” (مِن الفعل اليونانيّ الّذي يعني يَظهَر أو يبدو)، الاستعمالَ البدائيّ لما سيُعرَف فيما بَعدُ باسم “تبادل الخَصائص” أو “المشاركة في الخَواصّ“. وأمَّا الإسهام المهمّ ليوسْتينُس الفيلسوف والشّهيد، الّذي عاش ما بين 100م تقريبًا إلى 162/168م، فقد تعلّق بإقامة أَوَاصِر مباشرة بين المسيحيّة والأفلاطونيّة الوسيطة، ممّا فتح الطّريق أمام فَهْم المسيح فَهْمًا شُموليًّا، مِن خلال عقد المقارنة والموازاة والمفارقة بين بحثِ الفلاسفة اليونانيّين عن الحقيقة، وانتظار أنبياء العهد القديم للمِسيّا. وتميّز إسهامُ إيرينيؤس اللِّيونيّ، الّذي عاش ما بين 130م تقريبًا إلى 202م تقريبًا، بالدّفاع عن “قاعدة الإيمان”، وبالمُضي قُدمًا في تعميق الإيمان أيضًا؛ فهو قد نَقَلَ لنا، عبر مُؤلَّفه المعرف “ضدّ الهَرطقات” أو “الرَّدّ على الهَرطقات”، خارطةً نفيسةً للتّيّارات الهَرطُوقيّة في عصره، إذ قد فُقِدت أغلبيّة النّصوص المكتوبة المتعلّقة بهذه التّيّارات.
[1] لمعرفة المزيد عن سِيرَة حياته، ورحلاته الرّسوليّة، وتعاليمه الحبريّة، ومؤلَّفاته الكاملة، ونياحته، ونَصّ وصيّته الرّوحيّة، راجع: أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر: بِيوغْرَافيا مُوجَزة»، مجلّة “نور على الطريق”، العدد الأوّل لعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص 1-23.
[2] بِنِدكْتوس السَّادس عشر (الحَبر الأعظم)، الرّسالة العامّة “اللهُ محبّة”، منشورات اللّجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام، جل الدّيب – لبنان، 2005، بند 1، ص 3.
[3] B. Pascal, Pensamientos, (Los grandes pensadores, 44), SARPE, Madrid 1984, n. 728, 253.
[4] فيما يتعلّق بـ”يُوبِيل الرَّجاء” (عام 2025م)، وقضيّة الرَّجاء المسيحيّ (وجوديًّا وفلسفيَّا وكِتابيًّا)، وعن كوننا “حُجّاجَ رجاءٍ” أو “حُجّاجَ الرَّجَاءِ”، راجع: أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك (دكتور)، «حُجّاجُ الرَّجَاءِ في يُوبِيل الرَّجَاء»، مجلّة “النّسُور”، العدد رقم (14) شتاء 2025، ص 169-179.
[5] فرنسيس (أسقف روما)، “الرَّجاء لا يُخَيِّب” مرسوم الدّعوة إلى اليُوبِيل العاديّ لسنة 2025 (9 مايو/أيَّار 2024)، بند 17.
https://www.vatican.va/content/francesco/ar/bulls/documents/20240509_spes-non-confundit_bolla-giubileo2025.html
[6] Cf. https://www.vatican.va/roman_curia/congregations/cfaith/cti_documents/rc_cti_doc_20250403_1700-nicea_it.html


